اخبار المحافظات

مزارعو اليمن يكافحون آثار الحرب والمناخ في ظل أزمة إنسانية متفاقمة

مع بداية عام 2026، يشهد العالم أكثر من 10 صراعات مسلحة رئيسية، في حين تُغيب الحرب الأهلية اليمنية، التي بدأت في 2014، عن كثير من التغطيات الإعلامية، رغم حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها، وفق صحيفة اندبندنت البريطانية.

وسط هذه الحرب، يجد الشعب اليمني نفسه عالقاً في أزمة إنسانية متفاقمة، إذ كان نحو 23 مليون شخص في نهاية عام 2025 بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة، أي ما يعادل ثلثي السكان، فيما تواجه البلاد ثاني أكبر أزمة غذائية في العالم. وتشير البيانات إلى أن نحو نصف الأطفال دون الخامسة يعانون من سوء التغذية المزمن.

وفي الوقت نفسه، تم تقليص المساعدات الإنسانية بشكل كبير نتيجة التخفيضات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وغيرها، حيث تم تلبية 24% فقط من الاحتياجات الإنسانية لعام 2025، ما أدى إلى عجز تمويلي قدره 1.8 مليار دولار.

وأكدت منظمة أوكسفام اليمن، وهي أحد الفاعلين الرئيسيين في المساعدات الإنسانية، أن تمويلها انهار بنسبة 80% خلال 2025 مقارنة بالعام العادي.

وقالت ندى السقاف، من منظمة أوكسفام اليمن:”لم تعد الأزمة الإنسانية في اليمن تتصدر عناوين الأخبار، وهو أمر محزن حقًا، لأنك عندما تخرج إلى الشوارع ترى اليأس في وجوه الناس، وكثير منهم لم يتلقوا رواتبهم لأكثر من 10 سنوات. كثيراً ما يُقال عن صمود الشعب اليمني، لكن هذه الكلمة لا تصف معاناتنا الحقيقية. نحن نحاول فقط البقاء على قيد الحياة.”

وأضافت:”هذه الرواية عن الصمود تُضفي طابعاً رومانسياً على معاناتنا بينما نحاول فقط تأمين لقمة العيش.”

الصراع والمناخ: تحديات متفاقمة

إلى جانب الحرب المستمرة التي أودت بحياة ما يُقدر بنحو 400 ألف شخص، تُعد اليمن من أكثر دول العالم عرضة لتأثيرات تغير المناخ، بما في ذلك الفيضانات المفاجئة والجفاف ودرجات الحرارة القصوى.

وأكد البنك الدولي أن معدل هطول الأمطار في اليمن، البلد القاحل أصلاً، انخفض بمعدل 6.25 ملم لكل عقد منذ 1971، فيما أدى ارتفاع درجات الحرارة وتراجع البنية التحتية لتخزين المياه إلى انخفاض إجمالي توافر المياه بنسبة 60% منذ 1990.

وقالت السقاف:”تغير المناخ لم يكن سبب الصراع، لكنه يعمّق الجراح. فهو يضاعف المشاكل التي يواجهها المزارعون ويجعل كل شيء أكثر صعوبة.”

ويشكل المزارعون نحو نصف القوى العاملة في اليمن، وتوضح السقاف أن أنماط الفصول تغيرت، ما يجعل الزراعة أكثر تعقيدًا ويزيد من صعوبة الأمن الغذائي.

شهادات المزارعين من تعز

أحمد محمد ناجي عبد الله (37 عامًا) من تعز غرب اليمن، يكافح للحفاظ على مزرعة العائلة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار وخطر الآفات:”أحرقت الحرارة شتلاتنا، وألحق البرد أضرارًا بما تبقى. أصبح كل شيء غير متوقع.”

أما مجيب محمد علي (51 عامًا) فيشير إلى نقص المياه الشديد: “حتى حيواناتنا لم تجد مكانًا للرعي. الحياة تزداد صعوبة يومًا بعد يوم، واضطررنا لقطع مسافات طويلة لجلب الماء.”

إدارة المياه والأزمات المحلية

أظهر بحث أجرته مركز الأبحاث “أو دي آي غلوبال” ونُشر حصرياً في صحيفة الإندبندنت، أن انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية والسلطات المحلية والجهات الخارجية يزيد من حدة التوترات بشأن المياه في تعز، وهي منطقة تخضع لسيطرة متبادلة بين الحوثيين والحكومة اليمنية.

وأشار البحث إلى أن حفر الآبار العشوائي وانتشار الشركات الوسيطة أدى إلى فوضى واسعة، فيما يعاني فرع الهيئة الوطنية للموارد المائية من ميزانية تقل عن 10,000 دولار سنوياً، ما يزيد من تذمر السكان ويقوض شرعية الحكومة ويعيق بناء السلام والإصلاح الاقتصادي.

وقال ماوريسيو فاسكيز، رئيس قسم السياسات في برنامج المخاطر العالمية والقدرة على الصمود:”الحرب هي الأزمة المباشرة، لكن الضغط المناخي لا يتوقف أثناء الصراع، بل يأتي فوقه ويزيد انعدام الأمن البشري. العمل المناخي في مناطق النزاع ليس تشتيتاً عن السلام، بل هو جزء مما يجعل السلام والتعافي ممكنين.”

وأشار وزير البيئة اليمني توفيق الشرجبي، في مؤتمر الأطراف الثلاثين بالبرازيل:”الحرب حجبت أزمة أكثر جوهرية: التداعيات الكارثية لتغير المناخ. لا يمكن بناء سلام دائم بينما تتصارع المجتمعات على آخر قطرة ماء أو رغيف خبز. لا يمكن الاعتماد على المساعدات الإنسانية وحدها، بل نحتاج إلى حلولنا الخاصة القادرة على الصمود ورعايتها.”

التكيف ودعم المجتمعات المحلية

على الرغم من الصعاب، أظهرت بعض المبادرات المجتمعية إمكانات النجاح: أحمد تلقى تدريبًا وبذورًا مقاومة للجفاف ومواد لإنشاء دفيئة زراعية من منظمة أوكسفام، وزرع الأفوكادو والرمان والبابايا، ووزع الشتلات على المجتمع المحلي. وقال:”في السابق كانت الحرارة والرياح تدمر كل شيء، أما الآن فتنمو الشتلات أسرع وأقوى وبربح حقيقي.”

في منطقة مجيب، قامت منظمة أوكسفام ببناء حاجز لتجميع مياه الفيضانات، مما ساعد على الاحتفاظ بالمياه وتحسين الزراعة، وذكر مجيب: “لقد عادت معنويات الناس، نشعر بالأمان من جديد، ومزارعنا وحيواناتنا تتعافى.”

أعاد جميل مهيوب سيف (55 عامًا) ترميم بئر وخزان قريته بالخرسانة، قائلاً:”كنا نشتري الماء بأسعار باهظة، وكانت النساء يقطعن مسافات طويلة لجلبه، أما الآن فنشرب بأمان.”

وبحسب محمد حسن، مدير برنامج أوكسفام في تعز:”حتى الآن قدمنا بيوتًا زراعية لـ16 مزارعًا، وقدّمنا تدريبًا لـ58 آخرين، وبنينا سدودًا وأعدنا ترميم خزانات مياه الأمطار. قد يبدو هذا محدوداً، لكنه استثمار طويل الأمد لأن المزارعين يريدون توريث أراضيهم لأبنائهم.”

وأكد حسن أن هذا الدعم يمثل خطوة صغيرة لكنها هائلة الأثر على صمود المجتمعات الزراعية في مواجهة الصراع وتغير المناخ.

رغم هذه المبادرات، يبقى معظم ملايين المزارعين اليمنيين أصحاب الحيازات الصغيرة يواجهون مصيرهم بأنفسهم في ظل تحديات مزدوجة من الحرب وتغير المناخ، وهم لم يساهموا في خلق هذه الأزمات.

وقالت ندى السقاف:”معظم الناس في اليمن يبحثون فقط عن سبل العيش. هذه المشاريع صغيرة التكلفة لكنها هائلة الأثر. لا يمكن إغفال اليمن عند التخطيط لتدخلات إنسانية أو مناخية.”

المصدر : اندبندنت

 

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار