قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية وحماية الاستقرار الاقتصادي

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ إذ لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، كما لم ينعكس هذا التراجع على أسعار السلع والخدمات الأساسية.
وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق الصرافة وأثار تساؤلات عن أسباب هذا التحول غير المتوقع، وسط مخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي متين.
وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقراً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.
وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات، في أول تغير منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، إثر إجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومة بعد أشهر من انهيار تاريخي.
وجاء هذا التراجع عقب اجتماع للبنك المركزي الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة، من دون أن يكشف البيان الصادر عن الاجتماع عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار مخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربات.
غير أن مصدراً في البنك المركزي تحدث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول فترة ممكنة، بانتظار أن تحقق الموارد الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يعزز الاستقرار.
وأوضح المصدر أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها رسمياً، التزاماً باتفاقيات مع مؤسسات دولية تقضي بعدم التدخل المباشر وترك الأسعار تخضع لحركة السوق.
ويرى الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن التحسن الجديد في أسعار الصرف يعود إلى تدفقات نقدية خارجية خلال الأسابيع الماضية، من بينها صرف رواتب موظفين وعسكريين بالريال السعودي ضمن تدخلات سعودية لمساندة الحكومة اليمنية.
وأضاف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تفاهمات بين البنك المركزي وصندوق النقد الدولي بشأن التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، مشيراً إلى زيادة ملحوظة في حيازة الأفراد للعملات الأجنبية، في حين تحتفظ البنوك وشركات الصرافة بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد عبر اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.
ويعود ذلك، وفقاً له، إلى قرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يتم استبدالها بالعملة المحلية، ضمن إجراءات اتُّخذت العام الماضي للحد من المضاربة.
من جهته، حذر الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني وحيد الفودعي من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة سيولة محلية قد تكون مفتعلة، مشدداً على ضرورة معالجة جذور الأزمة النقدية والهيكلية بدلاً من الاكتفاء بخفض سعر الصرف.
ووصف الفودعي التراجع الأخير في سعر الصرف بـ«وهم الانخفاض»، في ظل اتساع الفجوة بين أسعار العملات في السوق وأسعار السلع والخدمات، مع غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، واستمرار الغلاء وتآكل الدخول.
بدوره، أشار الخبير المالي اليمني حلمي الحمادي إلى أن اقتراب شهر رمضان عادة ما يشهد ارتفاعاً في تحويلات المغتربين لأسرهم في اليمن، إضافة إلى تدفقات الزكاة وأعمال الخير من رجال أعمال في الخارج، وهو ما يسهم سنوياً في تحسين سعر الصرف بشكل مؤقت.
وأبدى الحمادي مخاوف من أن يكون التحسن الحالي مدفوعاً بتدخل سياسي يهدف إلى طمأنة السكان بوجود مؤشرات إيجابية بعد تشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب اقتصادية مستدامة.
ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً نتيجة سيطرة جماعة الحوثي على أجزاء واسعة من البلاد وعدد من المؤسسات الإيرادية، وفرضها أسعاراً ثابتة للعملات الأجنبية في مناطق سيطرتها، ومنع تداول العملة الصادرة عن الحكومة هناك، ما يعمّق الازدواجية النقدية ويعقّد المشهد الاقتصادي في البلاد.

