كيف يمكن لليمن تحويل أزمة السيولة إلى فرصة تاريخية؟

بقلم/شاكر بن داؤود
تواجه بلادنا تحدياً اقتصادياً عميقاً يتمثل في أزمة السيولة النقدية التي يعاني منها البنك المركزي اليمني والقطاع المصرفي، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على الشارع اليمني. هذه الأزمة، التي تفاقمت بسبب عوامل متعددة منها تراجع الإيرادات العامة والمضاربة بالعملة، ليست مجرد مشكلة فنية فحسب، بل هي عائق حقيقي أمام دوران عجلة الاقتصاد وتحقيق الاستقرار النقدي.
لكن في خضم هذه التحديات، ومع التحسن الملحوظ الذي يشهده الريال اليمني مؤخراً، تبرز فرصة استراتيجية غير مسبوقة للانتقال نحو اقتصاد رقمي متكامل.
إن الاعتماد شبه الكلي على النقد المادي (الكاش) لم يعد خياراً مستداماً؛ فهو لا يفاقم أزمة السيولة فحسب، بل يفتح الباب أمام الاكتناز ويُضعف قدرة السياسة النقدية على تحقيق الاستقرار. والحل لن يكون في طباعة المزيد من الأوراق النقدية، بل في بناء “شرايين رقمية” جديدة يتدفق عبرها المال بكفاءة وشفافية.
خارطة طريق من ثلاث ركائز للتحول الرقمي المالي
التحول الرقمي ليس خياراً تقنياً فحسب، بل ضرورة تنموية لتعزيز الشمول المالي وتحقيق الاستقرار. ولتحقيق ذلك، يمكن التركيز على ثلاث ركائز أساسية:
أولاً: بناء الثقة عبر بنية تحتية رقمية آمنة وموحدة
هذه هي الخطوة الأولى لبناء الثقة لدى المواطن والتاجر على حد سواء، ويتطلب ذلك من البنك المركزي اليمني، بالتعاون مع البنوك وشركات الاتصالات، العمل على ما يلي:
1- إطلاق منصة دفع وطنية موحدة (National Payment Switch):
منصة تتيح التشغيل البيني بين جميع المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية، بما يسمح للمواطن بتحويل الأموال من أي حساب إلى أي حساب آخر بسهولة وسلاسة، تماماً كما تعمل شبكات الاتصالات.
2- تعزيز الأمن السيبراني:
يجب أن تكون حماية بيانات وأموال المستخدمين أولوية قصوى، لضمان ثقة المواطنين في استخدام القنوات الرقمية دون تردد.
3- توسيع شبكة الوكلاء ونقاط الدفع:
دعم انتشار نقاط الخدمة المالية في مختلف المناطق، خصوصاً الريفية، لتمكين عمليات الإيداع والسحب بسهولة ويسر.
ثانياً: تحفيز التبني عبر سياسات ذكية ومزايا ملموسة
لا يمكن فرض التحول الرقمي، بل يجب تشجيعه عبر حوافز عملية، ويمكن للحكومة والبنك المركزي اليمني قيادة هذا التوجه من خلال:
1- رقمنة المدفوعات الحكومية:
صرف رواتب الموظفين والمساعدات الاجتماعية مباشرة إلى المحافظ الإلكترونية أو الحسابات البنكية. هذه الخطوة وحدها كفيلة بإدخال كتلة نقدية ضخمة إلى الدورة الرقمية.
2- تقديم حوافز للتجار والمستهلكين:
تخفيضات ضريبية رمزية للتجار الذين يقبلون الدفع الإلكتروني، أو نقاط ولاء ومكافآت للمستهلكين الذين يستخدمون البطاقات أو المحافظ الرقمية.
3- دعم التجارة الإلكترونية المحلية:
تسهيل إجراءات إنشاء المتاجر الإلكترونية، وتوفير بوابات دفع آمنة ومنخفضة التكلفة، بما يشجع نمو هذا القطاع الحيوي ويقلل الاعتماد على النقد.
ثالثاً: التوعية وبناء القدرات استثماراً في المستقبل
التحول الرقمي هو تحول ثقافي بالدرجة الأولى؛ لذا من الضروري إطلاق حملات توعية وطنية واسعة لشرح فوائد الدفع الإلكتروني وكيفية استخدامه بأمان. ويجب أن تستهدف هذه الحملات جميع شرائح المجتمع، مع التركيز على كبار السن والفئات الأقل تعليماً، خصوصاً في المناطق الريفية.
إن معالجة أزمة السيولة عبر تبني التحول الرقمي ليست مجرد حل تقني أو مالي، بل خيار استراتيجي لا يحتمل التأخير في ظل الأزمة التي يعيشها الوطن والمناطق المحررة اليوم. فهذا المسار من شأنه تعزيز الشمول المالي، وتقليل حجم الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة كفاءة السياسة النقدية، وخلق بيئة اقتصادية أكثر شفافية واستقراراً.
إن التحسن الحالي في قيمة الريال يوفر نافذة وفرصة ثمينة للبدء في هذه الإصلاحات الجريئة. فلنستغل هذه اللحظة لتحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد يمني حديث ومستدام. والكرة الآن في ملعب صانعي السياسات المالية، ممثلين بوزارة المالية والقطاع النقدي بقيادة البنك المركزي اليمني، لقيادة هذا التحول القومي والتاريخي، ليكون النواة التي تنطلق منها الأتمتة في جميع قطاعات الدولة، مواكبةً للتطور والحداثة التي يشهدها الإقليم والعالم اليوم.

